سيد قطب

3666

في ظلال القرآن

ويبدو أنه كان له رأي غير رأيهم . ولكنه تابعهم عندما خالفوه وهو فريد في رأيه ، ولم يصر على الحق الذي رآه فناله الحرمان كما نالهم . ولكنه يذكرهم ما كان من نصحه وتوجيهه : « قالَ أَوْسَطُهُمْ : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ : لَوْ لا تُسَبِّحُونَ » ؟ ! والآن فقط يسمعون للناصح بعد فوات الأوان : « قالُوا : سُبْحانَ رَبِّنا ، إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ » . . وكما يتنصل كل شريك من التبعة عندما تسوء العاقبة ، ويتوجه باللوم إلى الآخرين . . ها هم أولاء يصنعون : « فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ » ! ثم ها هم أولاء يتركون التلاوم ليعترفوا جميعا بالخطيئة أمام العاقبة الرديئة . عسى أن يغفر اللّه لهم ، ويعوضهم من الجنة الضائعة على مذبح البطر والمنع والكيد والتدبير : « قالُوا : يا وَيْلَنا ! إِنَّا كُنَّا طاغِينَ . عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ » . . وقبل أن يسدل السياق الستار على المشهد الأخير نسمع التعقيب : « كَذلِكَ الْعَذابُ . وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » . . وكذلك الابتلاء بالنعمة . فليعلم المشركون أهل مكة . « إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ » ولينظروا ما ذا وراء الابتلاء . . ثم ليحذروا ما هو أكبر من ابتلاء الدنيا وعذاب الدنيا : « وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » ! وكذلك يسوق إلى قريش هذه التجربة من واقع البيئة ، ومما هو متداول بينهم من القصص ، فيربط بين سنته في الغابرين وسنته في الحاضرين ؛ ويلمس قلوبهم بأقرب الأساليب إلى واقع حياتهم . وفي الوقت ذاته يشعر المؤمنين بأن ما يرونه على المشركين - من كبراء قريش - من آثار النعمة والثروة إنما هو ابتلاء من اللّه ، له عواقبه ، وله نتائجه . وسنته أن يبتلي بالنعمة كما يبتلي بالبأساء سواء . فأما المتبطرون المانعون للخير المخدوعون بما هم فيه من نعيم ، فذلك كان مثلا لعاقبتهم : « وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » . . وأما المتقون الحذرون فلهم عند ربهم جنات النعيم : « إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ » . . وهو التقابل في العاقبة ، كما أنه التقابل في المسلك والحقيقة . . تقابل النقيضين اللذين اختلفت بهما الطريق ، فاختلفت بهما خاتمة الطريق ! وعند هاتين الخاتمتين يدخل معهم في جدل لا تعقيد فيه كذلك ولا تركيب . ويتحداهم ويحرجهم بالسؤال تلو السؤال عن أمور ليس لها إلا جواب واحد يصعب المغالطة فيه ؛ ويهددهم في الآخرة بمشهد رهيب ، وفي الدنيا بحرب من العزيز الجبار القوي الشديد : « أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ؟ ما لَكُمْ ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ؟ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ؟ أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ؟ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ ؟ أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ ؟